المخطوطات: تحديات التوثيق المنهجي والنشر الإلكتروني

أسماء الشامسية

ينطلق زيدان في معالجته لمُشكلات المخطوطات بوضع اصطلاح "التراث" نفسه  تحت طائلة الغربلة والتمحيص، بدءًا بورود المصطلح في لغة القرآن الكريم وليس انتهاءً بأصل المصطلح في اللغة العربية الذي طفر استخدامه أكثر ما طَفر في القرن العشرين، في جميع الأنواع الأدبية والكتابية، حتى أدى ذلك إلى تشكل أزمة حقيقية في الوعي بالظاهرة التراثية، فقد ظهر اصطلاح "التراث" على السطح بكثرة وشاع استهلاكه، فانطبقت عليه مقولة ميشيل فوكو، حول شيوع اللفظ وترديده المُستمر الذي قد يخفي معناه، بل وأكثر من ذلك صاحب بروزه تداخل مشكلات عديدة يفرد لها الكاتب والباحث يوسف زيدان مُعظم صفحات مقاله المعنون بـ "مشكلات المخطوطات، من الخزانات الخطية إلى آفاق النشر الإلكتروني".

وهو إذ يبدأ مبحثه في مناقشة أصل المصطلح واستخدامه وانتشاره في المكتبات والمخطوطات، كل ذلك من أجل أن يصلَ إلى  التراث المكتوب في المخطوطات المنسية في الخزانات الخطية العتيقة -على حد قوله - إلى التحدي الذي يواجهه في نشر هذا المخطوط إلكترونياً في صورة رقمية معاصرة.

  وإنَّ أهم المشكلات والتحديات التي تواجه المُحققين حسب زيدان في طريقهم إلى نشر النص التراثي كالآتي:

أولاً: التراث المجهول، أي افتقاد المكتبات الخطية المحتوية على المخطوطات على فهارس وصفية تحليلية دقيقة، فضلاً عن اختلاف مناهج الناشرين والمحققين في التعامل مع النص.

ثانيًا: التوظيف الوقتي لجانبٍ من التراث لأغراض أيديولوجية أو مذهبية أو سياسية، مثال ذلك هو الفكر العام الذي تعتنقه دولة ما بحسب المرحلة، وضربَ مثالاً على اعتناق دولة للعقيدة الاشتراكية ما يؤدي إلى مخاصمتها التراث الروحي والصّوفي، وتحيزها للنزعة اليسارية في دين تلك الدولة وتاريخها الحضاري.

ويضع زيدان عدة خطوات مرحلية لمواجهة الآفات التي يُعاني منها المخطوط، ومن أجل زيادة أفق الوعي بالتراث عن طريق الوعي بجوانب الخريطة التراثية، ما نسميه اليوم "الفهرسة" ثم خطوة النشر سواء كان ورقيًّا أم إلكترونيا وأخيرًا مرحلة الفهم والاستيعاب أو التحقيق  لينتقل فيها "التراث المخطوط أو المنشور" من حالة النص إلى حالة الخطاب فيما نسميه بالنشر.

مع ذلك وجب أن نتساءل عمّا يعنيه زيدان بالفهرسة؟ كيف عرّفها وكيف تعاني المخطوطات من الفهرسة بالطريقة التي يتعامل بها حاليًا؟

إنَّ مجمل ما يمكن تعريف الفهرسة به هو مجموعة الخطوات المتراكبة المتراتبة التي تؤدي في النهاية إلي وعي حقيقي بالتراث، بداية من تجنب المشكلات الإدارية التي تتمثل أوَّل ما تتمثل في حيازة المخطوط التي يفترض أن تكون حيازة مجمعة إلى جهة واحدة، وتجنب تشتيت المجاميع الخطية بيد عديد من الأفراد والمؤسسات الحكومية والخاصة، ما يجعل كل مخطوط يخضع لمعايير وموافقات ومُعالجات مُختلفة.

ثالثًا: مشكلات فنية تتلخص في انعدام التوحيد القياسي لبطاقة الفهرسة، وتفاوت مستوى المفهرسين، والخلط ما بين القائمة الحصرية والفهرس العلمي وصعوبة نشر الفهارس وغيره.

والأشد تأزمًا من المخطوطات هم المفهرسون الذي يلقونَ قلة تقدير وإشادة لمجهوداتهم رغم ما يُمثل عملهم من أهمية قصوى.

رابعًا: يمكنني القول وأنا أقرأ هذه المراجعة أن الكاتب ينتقل من خطوة مهمة في العملية التراثية إلى خطوة أهم فخطوة أكثر أهمية فخطوة بالغة الأهمية، حتى يحتار القارئ أيهما أهم من الأخرى في هذه العملية الحساسة، فهو يُسوِّق لعبء أكثر ثقلاً من سابقه على كاهل العملية التراثية وهي "التوثيق" وبالأخص توثيق عنوان المخطوط ومؤلفه، والمشكلات الفنية التي تصاحبها، وعدم خضوع كل المخطوطات للمعايير التقليدية للفهارس كالمصاحف مثلاً، والكتب السماوية الأناجيل والتوراة.

خامسًا: فيما يتعلق بمشكلات النشر، يدلل زيدان على الأسلوب العشوائي المُتّبع في ميدان التراث، فمرحلة "النشر" عندنا تسبق الفهرسة، فضلا عن الانتقاء النّصي للتراث بحسب العقيدة أو الأيديولوجية المتّبعة، كأن يختار العلمانيون ابن رشد ويجعلون منه قائلاً بالعلمانية، بينما يفعل الفريق المعاكس الضد من ذلك باختيارهم أيقونة لهم تناسب عقيدتهم تتمثل في ابن تيمية مثلا، إذ بحسب زيدان أن الوعي الجيد بالنص التراثي يجعل المفهرس موضوعياً بحيث يستكشف السلفية في ابن رشد والتقدمية عند ابن تيمية بمقدار ما يريان في فلسفاتهما الفكر النقيض.

ولا يفوتنا أن نشير إلى ما أشار إليه زيدان من ارتباط حركة النشر التراثي بواقع ثقافي عربي عام محدد تاريخياً وجغرافيًا، بدءًا من خفوت عمليات النشر الأوروبي للتراث العربي في النصف الأول من القرن العشرين التي حل محلها النشر العربي في المطابع المصرية والأوروبية، مرورًا بخطورة انتشار النشرات المزيفة التي انتحلت أعمالاً سابقة أثرت على عمليات الضبط الببليوجرافي والتي تركت أثرها على النشر التراثي إلكترونيا!

إلا أنّ محاولات نشر المخطوطات ليست كلها سوءا في سوء؛ فزيدان يضرب أمثلة جيدة على مشاريع جادة عبر طرائق الكتاب المطبوع والكتاب المسموع، مثل تجربة المجمع الثقافي بأبوظبي في إصداره ما يقرب من ثمانين كتابًا أغلبها تراثي على هيئة أسطوانات سمعية، فضلاً عن تطور النشر الإلكتروني عبر ما يمسى بتقنية الوسائط المُتعددة التي تعمل على دمج الصوت والصورة والكتاب المطبوع معًا.

ويتجاوز دور التكنلوجيا المعاصرة إسهام الكمبيوتر في الفهرسة إلى إسهامه المهم في الحفاظ على المخطوطات بتقنيات خاصة وذكية عبر تقنيات النسخ الميكروفيلمي أو الصورة الرقمية والحفاظ على الأسطوانة المليزرة.

ينطبق هذا التطور الهائل أيضًا على عمليات التحقيق التي سهلت الإخراج الفني للنص المحقق وتقديم النماذج الخطية مع النص المحقق.

وبهذا يخلص زيدان إلى أهمية تعالق التراث بالتكنولوجيا بحيث لا يُفصَل أحدهما عن الآخر، وفي رأيي أن هذه الصلة وهذا التعالق بين الإثنين كان لابد أن يتم، خصوصًا وأن التقنيات الإلكترونية وفرت عناء تحويل مئات المخطوطات إلى شكلها المطبوع ما أدى إلى تقليل جهد ووقت هائلين، وعندما كنا قد أهملنا التراث في هيئته الخطية كما لو أننا كنا ننتظر ماردَ "التكنلوجيا" لتخليصنا من عناء ومشقة التحويل النصي للمخطوطات، كان المحققون والمستشرقون يقومون بدورهم في تحويل الحقائق التاريخية في تراثنا إلى حقائق مجتزأة ومُنتقاة، والغريب أننا حالما استيقظنا من سباتنا كنّا قد وعينا بالذي فات، فأصبحنا ننشر دون فهرسة ولا تحقيق ولا بحث عن غير هدى.

 كانت محاولات النصف الثاني من القرن العشرين أشبه بمحاولات اللحاق بالذي سبق ولبق، فكما لو أن المحققين في ذلك الوقت يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه باستعادة سمعتهم حول تراثهم المنسيّ بأي طريقة، حتى لو كانت هذه الطريقة هي تزييف منشورات المخطوطات الأوروبية وتسميتها بأسماء عربية، كمن يبحث عن نفسه في صورة الآخر، وإن يكن، فإن محاولات التوثيق المتأخرة كانت أكثر تعقلاً وتبصرًا بأهمية المنهجية في التحقيق والفهرسة والنشر، وقد وعيت أكثر بجودة المنتج وبالكيف أكثر من الكمّ.

وفي نهاية هذا المقال أحب أن أنوّه بالفكرة الجدلية التي أشارَ لها زيدان سريعًا، وهي التّحول من الذاكرة الفردية إلى الإتقان الآلي للمدخلات والمخرجات، والتي يمكن أن يعاني منها المحقق المعتمد بشكل كلي على الطرق التقليدية في التحويل النصوصي للتراث، والتي على ما يبدو ما يزال يفضلها عديد من المشتغلين في هذا المجال في معاناتهم من جدلية الذاكرة المتسعة في الكمبيوتر المضمحلة في الذهن، أو ما يصفه زيدان إعادة تركيب للمعلومات في الجهاز في مقابل نسق محدد للاستدعاء عند الفرد، حركة اليد على الأزرار مقابل حركة العين بين سطور الكتاب، وهذا النوع من الجدل طرأ عندما نوقشت قضية الإنسان الآلة أو تشيءُّ الإنسان، في الطريقة التي تتعامل معها التكنلوجيا مع الطبيعة الإنسانية التي تعوده على استدعاء ذاكرة وذكاء الآلة بدلا من ذاكرته وذكائه، وأقول إن هذه الطريقة إذا كانت تسهم في ضخ كميات هائلة من البيانات الخطية إلى بيانات مخزنة عبر وسائط غير ملموسة تقلل من مساحة تخزين المخطوطات في الخزانات، وتقلل من فرص فقد المخطوطات في ظروف بيئية أو سياسية معينة، فلابد أن تكون هذه الطريقة هي الأكثر نفعًا وتفضيلا بصرف النظر عن انتماءات بعض الفرق للأسلوب القديم في المعالجة، هذا الأخير الذي لم يعد يوفر البدائل كما توفرها التكنولوجيا التي لا مفر من حشرها في تفاصيل العمليات الحياتية للأفراد.

أخبار ذات صلة