أسماء الشامسية
يحاول هذا العنوان النزوع إلى القطبية حول أيُّهما الحق وأيهما الباطل؟ وكأن أحدهما الآخر وجد من أجل مواجهات أزلية وأبدية بسبب من اختلاف جذورهما ومصادرهما والمصائر والرؤى التي يحملانها للبشرية، وإلى هذا الحد من سوء الحكم نفترض أن يُقرأ تقديم وتأخير الليبرالية والدين أو العكس في عنوان المقال أعلاه بطرق منحازة، ويمكن القول إنّ المقال يُقرأ من عنوانه أو أن يتجاهل القارئ هذه التأويلات ويتوقف عن اعتبارها إلماحات مُتعمدة. فبسبب هذا النزاع المستعر بينهما نحاول مقاربتهما بالفهم الدقيق لكليهما وتقريبهما عبر مناقشة الأفكار التي تطرحها الكاتبة هبة رؤوف عزت في مقالها "الدين العام والليبرالية والمستقبل: نقاشات نظرية".
تتقصى هبة رؤوف الليبرالية من حيث الروافد التي كوّنتها أو تلك التي أعطتها صبغة مختلفة عن الذي عرفت به الليبرالية الكلاسيكية أو تلك المدارس أو الحركات أو الاتجاهات الفكرية التي حاولت إحياءها بصيغ مختلفة، إذ تسوق الكاتبة على لسان براين تيرنر رأيه أن الليبرالية لم تعد تقدم نفسها بالتصور القديم، بل تتقمص مفاهيم متداخلة أو متعارضة من خلال نظرتها إلى الأخلاق والجماعات والعدالة السياسية والقيم الدينية نظرة حداثية، وما ذلك إلا من أجل تقريب الليبرالية إلى جانب الدين والدولة، ما يجعل الليبرالية لا تتحقق ضمن حق الفرد في ممارسة فرديته وإرادته المستقلة وحسب، بل وتتجاوزه إلى المسؤولية الأخلاقية والفاعلية الاجتماعية والسياسية، وهو ما يتعارض مع أحد مفاهيم الليبرالية الكلاسيكية في إرادة الفرد المستقلة من أجل مواجهة التقاليد والمجتمع.
فمن جون رولز إلى ديفيد ريزمان في محاولتهما التنظير للرفاهة الاجتماعية عبر مشاركة الفرد مع الجماعات وليس مجرد منحه الحق الاجتماعي كحافز لفاعليته المجتمعية، وصولا إلى روبرت بيلا الذي رصد ونظّر للانخراط السياسي للفرد في ظل تحول القيم الشخصية وتحول نزعة المجتمع إلى الفردية، وكريستوفر لاش وغيرهم من مفكري علم الاجتماع والأخلاقيين والسياسيين والقانونيين، يتوصل معظم هؤلاء إلى تراجع الفاعلية الجماعية وتمركز الفرد حول ذاته بعد التحديث الذي طال معظم المجتمعات، ويمكنني مناقشة هذه الفكرة عبر إبراز سؤال لماذا هذا النزوع العالمي إلى الفردية؟ وإلى أي مدى تراجع التضامن الاجتماعي لكي يطالب هؤلاء المفكرون بإحياء المواطنة عن طريق الدوافع الدينية والمدنية؟.
في رأيي أن اتجاه المرء إلى ذاته - أعني الاتجاه غير النفعي - هو اتجاه إلى فهم الذات وتحصينها من الفاعليات الخارجية بلا شك تحصينها من الآخر ومحاولة العودة إليها لفهم أعمق حول الذات، هذا الفهم المتجّه إلى التحقق الروحي والعقلي هو فهم خارج محددات ومؤثرات الاجتماع العام للجماعات الإنسانية، فهم للطبيعة البشرية، عودة إلى النفس والعقل معًا، ومن شأن هذه العودة أن تمنح الفرد تصورا خاصًا لذاته، تصورا يهيؤه لمرحلة ما بعد الذات والخروج إلى المجتمع.
إنّ الفكر القديم والذي هو فكر يعشعش ضمن مجتمعات تقليدية كثيرة في عالم متوازٍ ،هذا الفكر يصرف الفرد إلى الجماعة على نحوٍ تملّكي وأناني بالضبط مثلما أثّر التحديث على المستوى النفعي في انصراف الفرد إلى ذاته، ولكن هناك ذلك الانصراف إلى الذات الذي يتيح للمرء ابتكار وعيه الخاص ورؤاه وأفكاره الخاصة ومشاعره ثمّ مشاركتها مع العالم، وعندما يحين انسياقه في الجماعة لا ينخرط ضمن نسيج متشابه ومُوّحد، بل متفردًا بسماته الإنسانية الخاصة متحصنًا من نسيج الجماعة التي قد تحمل أفكارًا مؤدلجة أو متطرفة أو أسطورية لا تعزز ذاتيته وتحققه الفردي في المجتمع بل تُماهيه في المجموع وتلغي تمايزه ومحاولاته إثباته الوجودي، هذا هو التحصين الذي نتحدث عنه إذا أحسن فهمه على نحوٍ إنساني يضمن كرامة الفرد لا على نحوٍ نفعي ولا استعبادي.
إذن، ما علاقة تراجع دور الأسرة الوظيفي في التربية وإحالته إلى الشركات ومؤسسات الدولة وما يترتب على ذلك من تفكك النسيج الاجتماعي ومن ثم تراجع التضامن الاجتماعي، ما علاقة كل هذا بالدين؟ حسب لاش هذا التراجع للأدوار الوظيفية للأنساق التي ينبغي أن تقوم بأدوارها من شأنه أن يؤدي إلي تراجع قوة الدين في المجال العام كنسق قيمي اجتماعي، ما يؤدي إلي سقوط السياسة أي تهميش الفرد للمشاركة الوطنية في الشأن العام ، وبروز الأهداف الفردية كمعيار للتحرك للمجال الدفاعي والحقوقي للحركات الاجتماعية وهو أيضا ما أثر على قدرة العلوم الإنسانية في فهم الواقع ومجرياته بسبب نزعتها الليبرالية المتطرفة.
ولعلي في هذا الشأن أميل الي رؤية السياسي مايكل والتزر في المحدوية التي يجب أن تمنح لعودة الأخلاق الدينية إلي المجتمع العام وعدم المغالاة والإفراط في تكوين اتفاق أخلاقي جمعي، فذلك من شأنه مصادرة التعددية من جهة و الحق في الاختلاف من جهة أخرى، ما يصعب معه إيجاد مجتمع مدني عالمي.في سياق مشابه يذكرني هذا بالخبرة السلبية التاريخية والآنية للعالم العربي والإسلامي في بروز الجماعات الدينية التي قدمت مشاريعها الدينية إلى المجتمع على مدى عقود منذ عشرينيات القرن الماضي وحتى اليوم. واستغلت ضعف وقهر المجتمعات العربية والإسلامية على السواء من الباكستان وحتى شمال أفريقيا، بسبب تلهفها إلى عدالة اجتماعية وسياسية وبطولة قومية وخلافة إسلامية في ظل غياب الديمقراطيات السياسية وفقرها الاقتصادي واضمحلالها الحضاري بوجه عام، وتمكنت باستغلالها لحاجة الأفراد والجماعات -بتقديم تشريعات آيديولوجية متطرفة ووعود دنيوية وما ورائية مغرية- أن تشبع حالة القهر، بالقصاص من الآخر ورفض الآخر، وتؤسس لأخلاق عامة ونظم صارمة تضمن حقوق الجماعة وتتجاهل داخلها حق الأفراد في التمايز وتقرير المصير من أجل الخلاص الأخروي للجماعة.
ولكن ما حدث في الغرب هو انسحاب الدين من المجتمعات التي نشأت فيها الليبرالية وقد حدث في رأيي بمساعدة عوامل التحديث والتحول المادي، بسبب ردة الفعل العنيفة ضد الدين نفسه كمرجعية في أثناء إقصائه كسلطة كنسية استبدادية إبان عصر التنوير، وبحسب ستيفن كارتر أستاذ القانون فمن أجل عودة الدين في المجال العام يتطلب هذا من النظام السياسي الأمريكي الليبرالي إعادة الاحترام له في الواقع الاجتماعي وليس فرض التسامح معه لأن الليبرالية العلمانية أو الليبرالية السياسية وهي المهيمنة على المؤسسات الأمريكية، مالم تحترم الولاء الديني وتعتبره مشاركا معتبرا في العمليات السياسية والقضائية في مقابل احترامها للتعدد الثقافي والنوع والميول الجنسية فستمارس نوعا من الازدواجية التي لن تتحقق معها أي صيغة مقبولة لليبرالية الحديثة، وما نقصده بهذه العودة للدين في المجال العام هو ما عبر عنه ريتشارد نوينهاوس، ليست عودة الثيوقراطية وخيارات الفرد المحدودة في حرية الاعتقاد بل ترشيد الليبرالية وتأكيد للتعددية الديمقراطية واحترام للحرية الدينية واللادينية ـ
بالطبع يبدو مثل هذا الحل واثقاً من نفسه برغم صعوبة ومحدودية وتعقد المتاح من الخيارات على أرض الواقع، ولكن هذا هو بعينه ما تحاول الكاتبة التوصل إليه، إحياء هذا الموضوع الجدلي في صميم الدراسات الأكاديمية وعدم تهميش العامل الديني من النقاشات والدراسات والمساحات الدلالية للمواطنة بمفهومها الاجتماعي والسياسي وحتى القانوني والقضائي في المجتمعات الغربية، العامل الديني الذي عاد يفرض نفسه كردة فعل عنيفة على عولمة الثقافات وتوحش الرأسمالية والتحديث المادي المعاصر، فللدين أتباعه وجذوره وذاكرته التاريخية ونظمه على أرض الواقع والأمر نفسه عند الليبرالية، فهذا التجذر للدين كتاريخ وثورة هو بمثل تجذر الليبرالية العلمانية أو السياسية وهذه الحركات تتأثر بالمناخ العام للمجتمعات وحركة التاريخ، ويتهدد تجاهل أحدهما من أجل فرض الآخر ،الأنساق والمنظومات الإنسانية العامة.
